محمد سعيد رمضان البوطي

260

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

قد طال ما قد كنت مطمئنة * هل أنت إلا نطفة في شنّة ولم يزل يقاتل حتى قتل رضي اللّه عنه . ثم اتفق الناس على إمرة خالد بن الوليد فأخذ اللواء ، وقاتل المشركين حتى انهزموا ، فانحاز بجيشه حينئذ عائدا إلى المدينة » . روى البخاري عن أنس رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم نعى زيدا وجعفر وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم ، فقال : « أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذ الراية جعفر فأصيب ، ثم أخذ الراية ابن رواحة فأصيب - وعيناه تذرفان - حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللّه ، حتى فتح اللّه عليهم » . وهذا الحديث يدل كما ترى ، على أن اللّه أيد المسلمين بالنصر أخيرا ، وليس كما قال بعض رواة السيرة أن المسلمين انهزموا وتفرقوا ، وعادوا بعد ذلك إلى المدينة . ولعل مقصود الذين قالوا هذا ، أن المسلمين لم يتبعوا الروم ومن معهم في هزيمتهم ، واكتفوا بانكشافهم عن مواقعهم ، خوفا على المسلمين ، وانقلبوا عائدين إلى المدينة ، ولا شك أنه تدبير حكيم من خالد بن الوليد رضي اللّه عنه . قال ابن حجر : وقع في المغازي لموسى بن عقبة - وهي أصح المغازي - قوله : « ثم أخذه ( يعني اللواء ) عبد اللّه بن رواحة فقتل ، ثم اصطلح المسلمون على خالد بن الوليد ، فهزم اللّه العدو وأظهر المسلمين » . قال العماد بن كثير : « ويمكن الجمع بأن خالدا حاز المسلمين وبات ، ثم أصبح وقد غير هيأة العسكر فجعل الميمنة ميسرة والميسرة ميمنة ، ليتوهم العدو أن مددا قد جاء المسلمين . فحمل عليهم خالد فولّوا فلم يتبعهم ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى « 41 » . ولما دنوا من المدينة ، تلقاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ولقيهم الصبيان يسرعون ، فقال : خذوا الصبيان فاحملوهم ، وأعطوني ابن جعفر ! . فأتي بعبد اللّه فأخذه فحمله بين يديه . . وجعل الناس يصيحون بالجيش : يا فرار ، فررتم في سبيل اللّه . . فيقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء اللّه » . العبر والعظات : أهم ما يثير الدهشة ، في هذه الغزوة ، تلك النسبة الكبيرة من الفرق بين عدد المسلمين فيها وعدد مقاتليهم من الروم والمشركين العرب ! . . لقد رأيت أن عدد المشركين ومن معهم من الروم قد بلغ ما يقرب مئتي ألف مقاتل ! . . وذلك على ما رواه ابن إسحاق وابن سعد وعامة كتاب السيرة « 42 » على حين أن عدد المسلمين لم يتجاوز ثلاثة آلاف . ومعنى ذلك أن عدد المشركين والروم

--> ( 41 ) انظر فتح الباري : 7 / 361 و 362 ( 42 ) انظر طبقات ابن سعد : 3 / 175 وسيرة ابن هشام : 2 / 375